أحمد بن محمد مسكويه الرازي

227

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ذوات الهيولي وهي الاجرام فإنها وان اشتاقت بنوع من الشوق إلى التّأليف ، فانّها لا تتحد ولا يمكن ذلك فيها ، وذلك انّها تلتقى بنهاياتها وسطوحها « 1 » دون ذواتها ، وهذا الالتقاء سريع الانفصال إذا كان التأحد فيه ممتنعا ، وانما تتأحّد بنحو استطاعتها أعني ملاقاة سطوحها . فإذا الجوهر الإلهي الذي في الانسان إذا صفا من كدورته التي حصلت فيه من ملابسة الطبيعة ، ولم تجذبه أنواع الشهوات وأصناف محبّات الكرامات ، إشتاق إلى شبيهه ورأى بعين عقله الخير الأوّل المحض الذي لا تشوبه مادة فاسرع إليه ، وحينئذ يفيض نور ذلك الخير الأوّل عليه فيلتذّ به لذّة لا تشبهها لذّة ، ويصير إلى معنى الاتحاد الذي وصفناه ، استعمل الطبيعة المدنيّة أم لم يستعملها ، الا انه بعد مفارقته الطبيعة بالكليّة أحق بهذه الرتبة العالية ، لأنه ليس يصفو الصفاء التام الا بعد مفارقته الحياة الدنيويّة . ومن فضائل هذه المحبة الإلهية أنها لا تقبل النقصان ولا تقدح فيها السعاية ، « 2 » ولا يعترض عليها الملك ولا تكون إلّا بين الأخيار فقط ، وأما المحبات التي تكون بسبب المنفعة واللذة فقد تكون بين الأشرار وبين الأخيار والأشرار ، الّا أنّها تنقضي وتتحلل مع تقضي النافع واللذيذ ، لأنها عرضيّة ، « 3 » وكثيرا ما تحدث بالاجتماعات في المواضع الغريبة إلّا أنّها تزول بزوال المواضع كالسفينة وما جرى مجراها ، والسبب في هذه المحبة الأنس ، وذلك أن الانسان آنس بالطبع وليس بوحشي ولا

--> ( 1 ) . سطح الشيء في مقابل ذات الشيء ، الذات أي : كنه وحقيقة الشيء ، ولكن سطح الشيء ، كما هو دارج على ألسنتنا ، نقول : هذا فهم سطحي ، هذا كلام سطحي ، أي : ليس لب وكنه الفهم والكلام . ( 2 ) . السعاية أي : النميمة والوشاية . ( 3 ) . العرضيّة ، في مقابل الطوليّة .